shamo0o5a
مرحبا بكـ زائرنا الكريم ان كانت هذه الزيارة الاولى لك فيسعدنا تسجيلك لتكون عضوا بيننا في هذا المنتدى ولكي تفيدنا وتستفيد مننا
وشكرا
تحياتي /
vampire>>Admin
shamo0o5a

مـــــنـــــتـــــديـــــأإأتـــــ ♥4-shamo0o5a ▓☺ ّّّ

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الاعلان عن مسابقة النقاط وهي كالتالي / حين الوصول الى 100 نقطة تشرف على اي قسسم تريده فأرجوا التفاعل لكي تحصل على الاشراف وشكرا تحياتي /المدير/=vampire
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» المسابقه الثانيه ادخلوا لا تفوتكم مرررة سهله
الأحد أغسطس 26, 2012 8:17 pm من طرف نور

» حبيبتي وداعا
الإثنين سبتمبر 12, 2011 3:35 pm من طرف الملاك الطائر

» أوراق الحب تحترق
الإثنين سبتمبر 12, 2011 3:33 pm من طرف الملاك الطائر

» بريق عينيكي
الإثنين سبتمبر 12, 2011 3:33 pm من طرف الملاك الطائر

» آسف جدا سيدتي
الإثنين سبتمبر 12, 2011 3:32 pm من طرف الملاك الطائر

» العشاق يتسائلون
الإثنين سبتمبر 12, 2011 3:30 pm من طرف الملاك الطائر

» المسافرون الى الحب
الإثنين سبتمبر 12, 2011 3:29 pm من طرف الملاك الطائر

» عضو جديد يعلن انضمامه مع حضراتكم
الإثنين سبتمبر 12, 2011 3:26 pm من طرف الملاك الطائر

» آهئ آهئ
السبت سبتمبر 18, 2010 6:12 am من طرف شرررطح شربلطح

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

‏{‏>اختطاف العقل<}

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 ‏{‏>اختطاف العقل<} في الجمعة يونيو 04, 2010 7:53 pm

[ اختـطـافُ عَـقـل ]
في المساء.. دق باب المنزل.. قام محمد وفتح الباب.. فإذا بصاحبه وصديق عمره صالح.. كان محمد يعرف صالح منذ المرحلة الابتدائية إلى أن تفرقا بعد المرحلة الثانوية إلى كليات مختلفة..تعانقا وتصافحا وسلما على بعضهما سلاما حارا.. فهما لم يلتقيا منذ أربع سنين..
وباختصار شديد.. كان صالح يريد خطبة (هاجر) أخت محمد.. أخذ محمد يثنى على صالح بناء على ما كان يعرفه عنه.. وحث والده وأخته على الموافقة..
وافق الوالد.. ووافقت هاجر.. اعتمادا منهم على رأي محمد..
تمت الخطبة.. وعقد القران.. وأقيمت وليمة العرس.. الآن : صالح زوجا لهاجر..!
صالح مخاطبا زوجته هاجر :
-سنقضي (شهر العسل) في (....) إنها من أجمل الدول الأوروبية..
- لا أرجوك..!
قالتها هاجر بصوت مرتفع.. أجابها صالح :
- أنا أخبرك فقط !
قالت هاجر :
- بلادنا يا صالح تغني عن تلك البلاد..!!
ضحك.. وسكت !
ركبت هاجر الطائرة مذعنة لقرار (زوجها).. وقلبها مع سجادتها التي نستها في غرفتها.. وروحها عند قدمي أمها..
ها هي الطائرة قد أقلعت.. وها هو صالح يجلس في الطائرة بجانب هاجر.. وهي متلفعة بعباءتها.. قابضة على مصحفها.. تتلو كتاب ربها.. وصالح بجانبها يطالع بعض الصحف وقد وضع سماعة الأذن على رأسه..!!
أطفئت الأنوار.. أضاءت إشارة ربط أحزمة الأمان.. ها قد حان موعد الهبوط..

[ شهـر العسـل !! ]
تم الهبوط بنجاح.. فتعالت أصوات التصفيق وارتفعت نغمات الصفير.. واختلطت أصوات الرجال والنساء هاتفة لهذا الكابتن.. وهاجر تقول :
- الحمد لله.. الحمد لله !
التفتت هاجر إلى الركاب حولها التفاتة سريعة.. فتساءلت مباشرة :
- صالح.. هل نحن في طائرة غير التي ركبناها أول مرة؟!
أجاب صالح بلا اكتراث :
- لا !
قالت هاجر :
أين الفتيات المتحجبات؟!
ابتسم صالح ، وقال:
- نحن لسنا هناك عند أمك.. نحن هنا في الغرب !
صدمت هاجر من هذا الكلام.. وسقطت على خدها دمعة ألم !
سكن صالح وهاجر في أرقى الفنادق.. وأكلوا ألذ المأكولات..
وفي عقل هاجر يدور ألف سؤال وسؤال.. وقد هاجرت هاجر بقلبها إلى مصدر أنسها.. ومنبع بهجتها.. ومكان لقاءها بصويحباتها.. دار تحفيظ القرآن.. هناك حيث تتلو كتاب الله وتعلمه البنات الصغيرات!

- أين اتجاه مكة ؟
هو أول ما سألت عنه هاجر حين وطئت أرض الفندق..
بعد فترة رجعا إلى مدينتهما.. وهاجر في شوق كبير إليها.. بعد أن ضاق صدرها في تلك البلاد.. فغلظة صالح وفظاظته وسوء خلقه.. صير من شهر (العسل) شهر (بصل) !!

[ هـاجـر أمـّـاً ]
مرت أشهر من زواج صالح وهاجر.. عاشت هاجر فيها حياة أقل مايقال عنها أنها غير سعيدة !!
اعتادت هاجر على سماع الشتائم من صالح.. وصار صراخه نغمة تتردد على مسامعها يوميا..
وفي أحد الليالي اتصلت هاجر بأمها :
- أمي.. أشعر بآلام غريبة في بطني!
بادرتها أمها قائلة :
- هل لك أن تصفي لي تلك الآلام ؟!
أنصتت الأم لكلام ابنتها وهي تصف ما تشعر به.. ضحكت أمها وقالت :
- لا تخافي يا هاجر.. أنت حامل !
فرحت هاجر كما فرحت أمها وفرح أبيها اللذان هما في شوق بالغ لقدوم أول حفيد لهما.. وأصبحا ينتظران ساعة الولادة على أحر من الجمر..
الساعات تمضي.. والأيام تتسارع.. والشهور تمر.. وفي أحد الليالي.. أحست هاجر بآلام شديدة في بطنها.. نظرت إلى الساعة فإذا هي تشير إلى الثانية عشر ليلا.. وصالح كعادته ليس في المنزل.. ازدادت الآلام.. اتصلت هاجر على صالح : ( عفوا.. إن الهاتف المطلوب لايمكن الاتصال به الآن فضلا أع. . . ) أغلقت هاجر السماعة واتصلت بمنزل أهلها.. أجاب أبيها.. أخبرته بسرعة وبصوت خافت :
- أبي.. أشعر بآلام في بطني !
- حسنا حسنا.. أنا قادم..
دقائق وإذا بأبيها عند الباب.. انطلقا مباشرة إلى مستشفى الولادة الذي لا يعرف الأب سواه.. فلما وصلا إلى باب المستشفى.. نظر الأب إلى المستشفى وقال :
- هاجر.. في هذا المستشفى أنجبتك أمك.. وها أنتي الآن ستنجبين لنا حفيدا بإذن الله!

[ مـولد البـطل ! ]
بمجرد ماسمعت هاجر بكاء طفلها يتردد بين جنبات المستشفى.. نست آلاما حملتها تسعة أشهر.. فلطالما كانت تفرح حين يتحرك جنينها في بطنها.. وها هي الآن تمسك بطفلها بين يديها.. قائلة : حمدا لك ربي وشكرا.. !
كانت الساعة حينها تشير إلى الثالثة والنصف.. وصالح لم يتصل.. فبادر الأب بالاتصال به.. وبعد دقائق تواجد صالح في المستشفى..
قبلة طبعها صالح على جبين طفله قائلا : هو (عمر) ..!!
قال الطبيب -ذو اللحية الكثة- : مبروك يا أبا عمر.. عمر.. اسم جميل.. كفى به شرفا أنه علم على فاروق أمتنا وصاحب رسولنا صلى الله عليه وسلم.. ابتسم (أبو عمر) وقال : أوووه صحيح.. أعلم أعلم!
باتت الأم في المستشفى.. حتى الصباح..
وفي الضحى جاء أبو عمر بسيارته الفارهة.. كي ينقلب بعمر وأمه إلى منزله الكائن في أرقى أحياء المدينة..
وفي السيارة.. قال أبو عمر بصوت غليظ وقد شابه فرح غامر: لطالما حلمت بأن أرى طفلا يحمل اسمي ويرفع رأسي !!
كانت رائحة السجائر تنبعث من أبي عمر.. وأم عمر صامتة تنتظر الوصول للمنزل كي يسلم طفلها من هذه الرائحة الكريهة..
أم حنونة رقيقة.. وأب قاس فظ.. بينهما عاش عمر!

[ عمر وأمه والقرآن ]
في بداية الأمر.. كان أبو عمر مهتما وبشكل كبير بابنه عمر.. غير أن الطفل عمر قد نشأ أغلب ساعات عمره بين يدي أمه (هاجر)..
هاجر.. أو أم عمر.. تشعر بسعادة عظيمة.. حين تداعب صغيرها (عمر) وتسمع ضحكاته.. بل حتى بكاءه.. وكانت - وهي تحمله بين يديها - تتخيله مصحفا وتتمناه قرآنا يمشي على الأرض.. لهذا لما بلغ عمر الخامسة أدخلته أمه في حلقة تحفيظ القرآن الكريم بالجامع القريب جدا من منزلهم.. ووالده لم يرفع لذلك رأسا.. وقد اصطحب عمر لتسجيله في الحلقة جده..
كبر عمر.. وبلغ السن التي تسمح له بالدراسة النظامية.. وعزمت أمه على إدخاله بمدرسة لتحفيظ القرآن الكريم..
قامت (هاجر) بالحديث مع أبي عمر حول هذا الأمر.. رفض وقال:
- لا أريد أن يكون ابني من خريج تلك المدارس..!!
لم تيأس أم عمر فصارت تلح عليه أياما متتالية.. حتى وافق.. بعد أن علم أن مدارس التحفيظ تعطي مكافأت مالية لطلابها !!
بعد سنة دراسية كان عمر قد حفظ خمسة أجزاء من القرآن الكريم.. كان القرآن يملأ حياة عمر.. فهو يتلوه في المدرسة وفي الحلقة وفي المنزل.. وعدته أمه إن هو حفظ القرآن كاملا أن تعطيه مكافأة كبيرة يختارها هو بنفسه.. فاستبشر عمر.. ثم سكت برهة وقال :
- أمي.. أستاذنا في الحلقة يقول أن من حفظ القرآن فإنه يلبس والداه يوم القيامة تاجا من نور.. هل هذا صحيح يا أمي؟
- نعم صحيح يا عمر.. هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم..
- عليه الصلاة والسلام.. لكن يا أمي.. أنا لا أريد أن ألبس أبي هذا التاج.. أريد أن ألبسك أنت فقط !
دمعت عينا أم عمر.. وهي لا تدري أهي دموع فرح أم دموع حزن.. حاولت حبسها بابتسامة مشرقة.. أشرق معها وجه صغيرها عمر..
طرااااااخ.. إنه صوت باب المنزل ذاك الصوت الذي تلاشت معه ابتسامة عمر وأمه.. دخل أبو عمر فانطلق عمر (ذو السبع سنوات) إلى غرفته مسرعا..
وكالعادة.. كانت إذاعة القرآن الكريم تعطر جنبات المنزل.. غير أن صراخ أبو عمر قد ارتفع على صوت القرآن.. وصار يرعد ويزبد وقد انتفخت أوداجه واحمرت عيناه.. وأم عمر لا تدري لماذا كل هذا الغضب خصوصا أنها لم تسمع كلمة مفهومة.. فقد كانت الكلمات تخرج من فم أبي عمر مختلطة ومتشابكة.. والحيرة قد لاحت في وجه أم عمر.. وعمر في غرفته قد ارتمى فوق سريره.. لاحظت أم عمر أن أبا عمر يسير بخطى مترنحة ويميل يمنة ويسرة.. أم عمر لم تستوعب الوضع جيدا.. غير أن الأمر الذي تجزم به هو أن زوجها في وضع غير طبيعي.. !!

[ الأب صالح غير صالح ! ]
اقترب أبو عمر من زوجته.. وهو لازال يصرخ ويترنح في مكانه.. استنشقت أم هاجر رائحة كادت أن تسقطها من مكانها.. رفعت صوتها متساءلة بكل براءة :
- ما بك يا صالح ؟
صفعها صفعة قوية أسقطتها على الأرض ..!!
بكت هاجر وحاولت أن تكتم صراخها ظانة أن صغيرها لا يعلم بما يجري !
ذهب أبو عمر إلى غرفة الضيوف وهو يترنح.. ورمى بنفسه وراح في نوم عميق..
أم عمر في مكانها تبكي وقد علمت - بيقين - أن زوجها يشرب الخمر ويتعاطى سموما قاتلة !
شعرت أم عمر بيد تمسح على كتفها.. رفعت رأسها فإذا بصغيرها عمر وقد دمعت عيناه وهو لا يعلم من الأمر شيئا سوى أن والده قد ضرب أمه..
تكرر هذا الموقف مرات عديدة وصار أمرا شبه يومي!!
هاجر.. أخفت هذا الأمر عن والدها ووالدتها وأخيها..
وفي أحد الأيام ذهبت هاجر لزيارة أهلها وبرفقتها ابنها عمر.. الذي يحب جده وجدته كثيرا.. وكان يحدثهما عن همومه وتساؤلاته.. وهناك انفرد عمر بجده وقال هامسا في أذن جده :
- جدي.. أنت تحب أمي أليس كذلك ؟
- طبعا يا بني.. وأحبك كما أحبها..
- إذا يا جدي سأخبرك بشيء مهم..!!
- تفضل يا صغيري..
- إنه أبي ياجدي !!
- أبوك ؟! ما به ؟!
انفجر عمر باكياً.. وخالط بكاءه أحرف خرجت من فيه الصغير.. وجده لم يفهم ما يقول.. بكاء عمر يزداد وجده يكرر وقد احتضن صغيره :
- ما الأمر يا بني ؟! تكلم..!
- أكره أبي.. أكرهه !!
فهم جده الأمر وانطلق إلى ابنته هاجر وسألها بسرعة :
- هاجر.. صالح يشتمك ؟!
بكت أم عمر وقد رأت صغيرها واقف خلف جده.. وقالت :
- ليته يشتمني وحسب.. إنه يضربني يا أبي !!
تعوذ أبيها واستغفر وذكر الله وجلس.. ثم قال :
- لماذا لم تخبريني عن هذا ؟
- كنت لا أريد مضايقتك و... !
- لا بأس يا ابنتي.. لا بأس..
جرت محاولات عديدة من أبي هاجر وأمها وأخيها محمد لإصلاح حال صالح وحل مشاكله مع ابنتهم..
ولكن بعد ثلاثة أشهر من المحاولات.. كان (الطلاق) هو الحل الوحيد !!

[ عمر حافظ لكتاب الله ]
انتقلت هاجر إلى منزل أبيها وبرفقتها ابنها الصغير عمر.. وكان عمره حينها إثنا عشرة سنة.. أنهى فيها الدراسة الابتدائية في مدرسة التحفيظ..
كان عمر مستمتعا في بيت جده وبدا أكثر سعادة.. خصوصا أن ذلك صاحب بدء الإجازة الصيفية.. وعمر لم ينقطع يوما واحدا عن حضور حلقة التحفيظ.. وأمه تتابعه في حفظه..
في الحلقة.. وبعد مرور شهر من الإجازة.. كان عمر بين يدي معلمه.. ها هو عمر يقرأ آخر سورة البقرة : (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين )) .. ثم قرأ سورة الفاتحة والسعادة تغمر قلبه وقلب معلمه المخلص.. فها هو عمر (حافظ لكتاب الله) ..
هنأه زملاؤه قبل معلميه.. ثم انطلق عمر إلى أمه :
- أمي.. أمي.. أنهيت حفظ القرآن !
احتضنته أمه وقبلته وهي تكاد تطير من الفرحة والبسمة قد علت محياها.. والسرور قد ملأ قلبها والدموع تكاد تغرق عيناها.. فها هي ترى حلمها قد تحقق -بفضل الله- وها هي ثمرة جهدها ونتاج تعبها ومتابعتها.. وها هو ابنها (من حفظة كتاب الله)..
انتهت الإجازة.. وعمر الآن طالب في المرحلة المتوسطة..!!

[ عمر.. طالبٌ في المرحلة المتوسطة ]
عمر في المرحلة المتوسطة طالبٌ متفوقٌ في دراسته ومتميزٌ في أخلاقه كما كان في المرحلة الابتدائية.. وكان عضوا دائما في إذاعة الصباح وعضوا في جماعة التوعية الإسلامية..
ولما وصل عمر لآخر سنة في المرحلة المتوسطة -التي عاش أيامها نشطا متفوقا- أقيمت على مستوى المنطقة مسابقة كبيرة في حفظ القرآن الكريم وتلاوته.. واختارت إدارة المدرسة عمرا كي يكون ممثل المدرسة في المسابقة.. فتقدم العظيم الصغير بكل ثقة وقوة.. وشارك في المسابقة فكانت خير مشاركة.. وحاز بجدارة المركز الأول.. وسلمت له جائزة ثمينة وبقدر فرحه بها إلا أنها لم تكن هدفا له.. لذا لم يلتفت لها كثيرا.. ولكنه طار إلى أمه يخبرها.. فطارت هي الأخرى فرحة بإنجاز ابنها.. وما كان منها إلا أن أمرته أن يختار هديته بنفسه.. وبعد تردد قال عمر لأمه :
- أنا أحب الحاسب الآلي.. وأريد شراء جهاز حاسب محمول..
وافقت أمه واشترت له حاسبا محمولا جديدا.. فصار عمر يقضي أمامه الساعات الطوال يتفحصه ويستكشفه..
انتهت هذه السنة الدراسية والحزن قد خيم على قلب عمر.. فليس أمرا سهلا أن يودع الفتى مدرسة احتضنته ثلاث سنوات كان فيها طالبا نشطا متفوقا.. يتنقل بين أنشطتها كالنحلة تتنقل بين الأزهار.. فهو نجم في الإذاعة الصباحية.. وشمس تضيء جماعة التوعية.. وخطيب يشهد له مصلى المدرسة.. عمر سيترك هذا المكان وسينتقل إلى عالم ووسط آخر مختلف.. مختلف جدا !!

[ عمر بين واقعين ]
انتقل عمر إلى الدراسة في ثانوية بعيدة بعض الشيء عن منزلهم (منزل جده) .. كان يذهب به خاله محمد ويعيده إلى المنزل مع نهاية الدوام.. هكذا مرت السنة الأولى.. كان عمر تحت رعاية خاله.. وكان مثالا لحافظ القرآن.. كان متفوقا في دراسته وشعلة من النشاط في مدرسته.. كان يلقي فيها الكلمات ويقدم للندوات والمحاضرات.. كان محبوبا لدى معلميه وزملائه.. وكان يتميز بدماثة الخلق وخفة الدم..
لم يكن أحدا من طلاب الحلقة التي يدرس فيها عمر يشاركه الدراسة النظامية حينها.. فكان عمر يعيش واقعين متغايرين.. ففي العصر يعيش بين أصحاب صالحين مستقيمين ومشرفين حريصين عليه ويرعونه وزملائه كما يرعون أبناءهم.. يتعاون عمر مع زملائه على حفظ القرآن ويتنافسون على تلاوته.. ويشاركون في برامج ثقافية ورياضية واجتماعية مختلفة تقام بإشراف معلميهم في الحلقة..
أما في الصباح فكان في مدرسته يعيش مايقارب الست ساعات بين متردية ونطيحة.. لكن عمر كان بينهم قويا مهابا بما كان يراه منه أقرانه من تفوق وتميز..
كانت آثار المراهقة قد ظهرت على عمر لا سيما في هذه المرحلة.. وبدأت تتجلى فيه أمارات الوسامة والأناقة إضافة إلى أنه كان محبوبا خفيف الظل.. مما جعله هدفا يطمح إليه التافهون الضائعون !
كان عمر يقضي بعض وقته في البيت على جهاز الحاسب الذي اشترته له أمه.. غير أن ذاك كان محصورا على برامج الكتابة وبعض العروض الترفيهية والمسابقات.. ولم يكن حينها قد غاص في أعماق الشبكة العنكبوتية !
أنهى عمر السنة الثانية من المرحلة الثانوية.. وفي الإجازة الصيفية شارك عمر -كعادته-مع زملائه في الحلقة في (مركز صيفي) كان نشاط عمر فيه كنشاطه في مدرسته بل أشد.. كان قد وهب نفسه لأنشطة المركز وها هو يقدم لها وقته وجهده..
إضافة إلى ذلك فأنه قد انضم إلى دورة صيفية لحفظ ومراجعة القرآن المقامة في حلقته التي يعرفها جيدا.. فعمر الآن يعيش أيامه بهمة الشباب العالية !

[ صبـاح حـزين !! ]
وفي صباح أحد الأيام.. خرج عمر من الجامع في الساعة الثامنة متوجها إلى المنزل ماشيا على قدميه.. ولما خرج كان يسمع صوتا قويا مزعجا.. يعرفه الصغير قبل الكبير.. إنه صوت (صرير) الإطارات وهي تحتك بالأرض.. كان عمر حذرا وهو يمشي..
اقترب عمر من المنزل فإذا بسيارة تقبل أمام منزلهم وتدبر.. وتسير بسرعة جنونية.. وتنحرف ذات اليمين وذات الشمال.. !!
وبشكل خاطف.. مر هذا المتهور بجانب عمر.. وبمجرد أن رأى عمر ملامح ذاك المتهور إذا بالحزن يرتسم على وجه عمر.. وإذا بالدمعة تسقط من عينيه.. فهو يعرف جيدا ذاك (المتهور) إنه : البراء.. الشاب الذي ترك الحلقة منذ سنة.. كان قبلها هو المنافس الأول لعمر.. وكان قد شارف على حفظ القرآن غير أنه تولى وانتكس!!
لم يتوقف (البراء) عن (التفحيط) وكأنه يريد الانتقام من عمر!!
ولى البراء إلى آخر الشارع.. ثم أقبل مسرعا "كجلمود صخر حطه السيل من عل" ..!!
وفي هذه الأثناء.. رن هاتف عمر : (فالزم رجليها) يتصل بك.. إنها أمه.. سألته عن حاله وهي تسمع أنغام الإطارات.. وبرأفة الأم طلبت منه الحذر.. ثم أنهت المكالمة..
أدخل عمر هاتفه في جيبه.. فلما رفع رأسه إذا به يرى سيارة البراء (المسروقة) تنحرف عن مسارها فتضرب رجلا بقوة هائلة يرتفع معها الرجل عاليا ثم يسقط ممدا على الأرض بلا حراك.. ولا يوقف زحف سيارة البراء إلا اصطدامها بأحد أعمدة الإنارة.. !!
تجمد عمر في مكانه من هول ما رأى.. وتردد إلى أيهما ينطلق أولا.. أإلى الرجل الممدد؟ أم إلى صاحبه البراء؟!
أخرج عمر هاتفه واتصل بالإسعاف.. ثم انطلق إلى صديقه السابق : البراء.. كان البراء يئن وقد غرق في دمه وهو داخل كومة من حديد.. أخذ ينتفض.. ونطق عمر :
- لا إله إلا الله..!
أخذ البراء يئن بشدة.. وقد غرق بدمه.. كرر عمر وهو يبكي :
-لا إله إلا الله.. محمد رسول الله !!
البراء يصرخ وبشده.. قال عمر بصوت مرتفع :
- البراء.. البراء.. قل : لا إله إلا الله !
حينها.. نطق البراء بصوت خافت ضعيف :
- لا إلله إلا الله محمد رسول الله!
ومات !
نطق بالشهادة حيث ظهرت آثار النشأة الصالحة التي تراجع عنها البراء بحكمة الله.. نطق بالشهادة لما حواه قلبه من كلام الله تعالى.. فكان القرآن شفيعا له أن ينطقها في هذه اللحظة العصيبة..!
وصلت سيارة الإسعاف.. وتوقفت عند الرجل الممدد.. وجاء عمر مسرعا.. نظر عمر إلى الرجل.. فانعقد لسانه.. وأظلمت دنياه.. وأصابته نوبة بكاء شديدة.. لما رأى رجال الإسعاف يضعون القماش على جسد ذلك الرجل.. ثم غطوا به وجهه وهم يقولون : رحمه الله..!!
حينها صرخ عمر باكيا :
- لا.. أنتم تكذبون.. ابتعدوا ! جدي ما مات !

[ عمر.. ومعـاذ !! ]
في لحظة واحدة.. فقد عمر جده - الذي هو أغلى رجل في حياته - كما فقد صاحبه البراء.. فكانت الصدمة صدمتين.. والحزن حزنين..
عاش عمر في بيت جده.. وكل زاوية من زوايا البيت تعيد له ذكرى جده.. فها هنا كان يشرب قهوته.. وها هنا كان يبادله أجمل الحكايات والقصص.. وهنا كان يتوضأ ..!
عاش عمر أيام العزاء في حزن كبير.. مع رضاه بما كتب الله.. عزاه أهل الحارة.. وعزاه مشرفيه وزملاءه في الحلقة.. وجمع كبير ممن يعرف جد عمر بل وحتى ممن لا يعرفه..
في فترة العزاء انقطع عمر عن حضور الدورة المكثفة وكذا عن حضور المركز الصيفي.. فكان عمر يشعر بفراغ كبير -كأي شاب مراهق- حدى به ذلك إلى البحث عما يشغل وقته في البيت.. فارتمى بين يدي جهاز الحاسوب الذي أهدته له أمه وغاص في أعماقه..
وفي ثاني أيام العزاء ذهب عمر لزيارة أهل البراء وتعزيتهم في ابنهم.. رغم أنه كان السبب في وفاة جده.. رحبوا به أشد ترحيب.. كيف لا؟! وهو من لقن ابنهم الشهادة وهو يلفظ أنفاسه..!!
في مجلس العزاء.. كان عمر قد جلس بجانب (معاذ) وهو أحد أصدقاء البراء المتأخرين.. ممن كان يؤزه أزا إلى طريق الغواية.. وهو يدرس في نفس الثانوية التي يدرس فيها عمر.. عمر لم يكن يعرف شيئا عن معاذ.. فأخذ يبادله الأحاديث حتى (ضحك) عمر !
شعر عمر أنه قد وجد شخصا يؤانسه في أيام العزاء.. خصوصا مع انشغال أصحابه في الحلقة بالدورة المكثفة والمركز الصيفي !
قال معاذ :
- ما رأيك ياعمر أن نتناول وجبة العشاء سويا ؟
تردد عمر كثيرا في قبول هذه الدعوة.. فهيئة معاذ ستجعل عمر في منظر مريب لم يعتد عليه!!
إلا أن فراغ عمر وشعوره بالملل جعله يوافق.. واستأذن أمه أنه سيتناول العشاء مع (صاحبه).. فوافقت رغم حرصها الشديد على ابنها.. ولكن حزنها الشديد على أبيها كان قد أشغل تفكيرها..
بعد صلاة العشاء اتصل معاذ بعمر :
- مرحبا عمر..
- وعليكم السلام ورحمة الله!
- دقيقتان وسأكون عند باب منزلكم..
- بإذن الله.. أنا أنتظرك.
- أحضر معك جهازك المحمول..
- لا بأس.. سأحضره.
جاء معاذ فركب معه عمر وانطلقا.. قال معاذ لعمر:
- أين تريد أن نذهب ؟
- أي مكان تحب.. لا مشكلة !
قال معاذ :
- سنشتري عشاء من أحد المطاعم ونأخذه إلى بيتنا..
وافق عمر..
أخذا العشاء من المطعم وتوجها إلى البيت.. دخلا ما يسمى بالملحق.. تناولا العشاء ثم استأذن معاذ من عمر أن يتعرف على حاسوبه.. فأذن له..!!

[ شباك عنكبوتية ]
أخذ معاذ وقتا قليلا يقلب الجهاز.. ثم قال لعمر :
- يبدو أنك لا تستخدم الانترنت.. أليس كذا ؟
قال عمر :
- صحيح.. وأنت ؟!
أجابه معاذ :
- أنا أستخدمه منذ سنتين..
بادره عمر قائلا :
- رائع.. كم كنت أريد التعرف على هذه الشبكة..! هل من الممكن أن تعلمني التعامل معها ؟!
- طبعا طبعا يا صديقي.. !!
قالها معاذ بكل حماس !!

ترررررن.. رن جوال عمر.. (فالزم رجليها) يتصل بك!! حاول عمر إخفاء الجوال عن صاحبه.. وقال بكل ضجر :
- أووووف.. يا للإزعاج !
حاول معاذ أن يبدو مهذبا فقال:
- إن كانت أمك فيجب أن تجيب !
تجاهل عمر اتصال أمه لأول مرة في حياته ..!!
قال معاذ بخبث :
- أمك إلى الآن تتصل بك إذا تأخرت؟! أنا لا أذكر أن أمي اتصلت بي يوما !!
ابتسم عمر.. ثم نظر في جهاز الحاسب وقال لمعاذ :
- الانترنت ممتع أليس كذلك؟
- بلى.. هو ممتع جدا جدا.. وسترى بنفسك !
سكتا برهة.. ثم قال معاذ :
- الآن جهازك يا عمر جاهز للدخول إلى عالم الانترنت.. سأفتح أحد المواقع للتأكد من الإعدادت..
عمر يتأمل في الشاشة.. (موقع الشات الأول عربيا) قال عمر:
- معاذ.. مامعنى موقع شات؟!
أجابه معاذ :
- لا تستعجل يا عمر.. اكتشفه بنفسك لاحقا !!

[ عمر.. ملك الحب ! ]
انقضت الليلة.. وعاد عمر إلى البيت.. الساعة حينها تشير إلى ١٢ ليلا.. لما دخل عمر وجد أمه تنتظره بلهفة وشوق.. فسألته مباشرة بحنان الأم :
- أين كنت ياعمر؟!! اتصلت على هاتفك فلم تجب !!
أجابها عمر بصوت مرتفع وقد قطب جبينه :
- أوووووه.. لا أدري إلى متى تظنين أني طفل !!
ذهب عمر إلى غرفته وقد تأبط حاسوبه المحمول.. وترك أمه في بحر من التعجب والحيرة من هذا الأسلوب الذي خاطبها به .. إضافة إلى الحزن الذي يلفها بعد وفاة أبيها !!
دخل عمر غرفته.. وفي شوق عارم اتصل بالانترنت.. تناقلت أنامله على لوحة المفاتيح.. (موقع الشات الأول عربيا).. دخله عمر وحب الاستطلاع دافعه الوحيد.. تردد كثيرا في اختيار الاسم.. اتصل بصديقه معاذ:
- معاذ.. هل يجب علي أن أضع أسمي الحقيقي حتى أشارك؟!
ضحك معاذ وقال :
- لا يا صديقي.. سأقترح عليك اسما جذابا.. ما رأيك باسم : (ملك الحب) ؟!
سكت عمر برهة..
- ألو .. عمر!!
- نعم نعم إنه اسم رائع وجذاب..
قال له معاذ :
- لحظات وسأدخل أنا أيضا.. وستراني باسم (الحنون)..!!
انتهت المكالمة وصار عمر يتأمل في الشاشة : (العاشق) (قمر ١٤) (عاشقة الورد)... (الحنون) :
- أوه هذا معاذ !
اشتركا في نافذة خاصة :
الحنون : مرحبا بك ياملك الحب!
ملك الحب : أهلا وسهلا !
الحنون : ما رأيك ؟
ملك الحب : أظن أنه شيء ممتع!
الحنون : ليس بعد! سترى المزيد.. سترى المزيد!!


[ محاولات إنقاذ ! ]
تتابع ذهاب عمر وإيابه مع معاذ.. وأمه تراقبه يبتعد عنها يوما بعد يوم.. لم يهنأ لها نوم.. لكنها لا تملك من الأمر شيء..
قاربت الإجازة على الانتهاء..
عمر الآن سينتقل للصف الثالث الثانوي.. قالت له أمه :
- عمر.. كما أنك أسعدتني بحفظ القرآن أسعدني ياولدي ببذل المزيد من الجهد كي تحصل على درجات عالية تؤهلك للدخول إلى الكلية التي تريد..!!
قال عمر :
- حاضر.. أية أوامر أخرى ؟!
سكتت أمه ودعت له بالتوفيق !
بهذا التنبيه تذكر عمر زملاءه في الحلقة.. الذين ملأت أرقامهم سجل المكالمات التي لم يرد عليها في جواله.. ولكنه أجاب عن نفسه : أنا مشغول الآن سأتصل بهم لاحقا !
انتهت الإجازة.. وبدأت السنة الدراسية.. عمر ومعاذ في نفس الفصل.. كان عمر - فيما سبق - يذهب إلى المدرسة برفقة خاله محمد.. لكن في هذه السنة حصل خاله على دورة تدريبية لمدة شهر في إحدى الدول الأوروبية !
عمر صار يروح ويغدو مع صاحبه معاذ.. تغير مظهره وتحولت أخلاقه وتبدلت ألفاظه.. شعر بذاك معلموه في المدرسة.. ولكن لم يتكلف أحدهم أن ينصحه ويذكره بما كان عليه..!
- مدرستنا فيها ١٠٠٠ طالب أتابع من وأنصح من ؟!
هكذا قال المرشد الطلابي حين جاءه أحد الطلاب المتفوقين في المدرسة شاكيا حال صديقه عمر..
كان عمر يجلس في مؤخرة الفصل مع معاذ (وأشكاله) !!
هذا في المدرسة.. أما خارج المدرسة فلا تسل عن حاله..!!
صار السهر سجية له.. أنيسه في غرفته شاشة يذهب من خلالها حيث شاء.. يتربع أمامها حتى قبيل الفجر ثم ينام !
وفي أحد الأيام بعد أن عاد عمر من المدرسة تناول وجبة الغداء ونام.. ولم يستيقظ إلا على صوت (الأغنية) التي جعلها كنغمة رنين لهاتفه.. نظر في الساعة فإذا هي الساعة الخامسة مساء.. نظر في اسم المتصل فإذا به يرى اسم أحد المشرفين في الحلقة.. رمى عمر بالجوال وعاد إلى النوم !
استيقظ مرة أخرى على نفس الصوت ولكن الساعة هذه المرة تشير إلى الثامنة مساء.. نظر عمر في الشاشة :
- أوووف.. هو مرة أخرى !
ضغط عمر على الزر الأخضر :
- نعم ..
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- وعليكم السلام ..
سأله عن حاله وحال والدته.. ودعا لجده بالرحمة والمغفرة.. ثم قال له :
- نحن نفتقدك كثيرا يا عمر ! وزملائك يسألون عنك دوما..
لم يعرف عمر بماذا يجيب.. فبادره المشرف قائلا :
- أتمنى أن يكون المانع خيراً ؟!
- نعم نعم.. هو كذلك بإذن الله..
انتهت المكالمة.. قرر عمر بعدها أن يغير رقم جواله !!

[ دعوة.. لشرب الدخان ! ]
وفي أحد الأيام.. قام معاذ بمرور عمر للذهاب إلى المدرسة كالعادة.. وقف معاذ عند الباب.. اتصل بعمر فلم يجب.. اتصل مرة أخرى.. فلم يجب.. اتصل مرة ثالثة.. وفي آخر الرنين أجاب عمر.. فدار هذا الحوار :
- نعم يا معاذ..
- صباح الخير.. وينك يا (....) !!
- الله يلــ ... يامزعج.. دعني أرتاح !!
- هيا أخرج بسرعة تأخرنا.. هيا أنا أنتظرك ..!!
- بصراحة أشعر برغبة في الغياب !!
- حقاً ؟! أنا أيضا أشعر برغبة في الغياب..
- رائع يا معاذ.. خصوصا أن اليوم هو موعد تسميع المقطع الذي طالبنا أستاذ القرآن بحفظه !!
- حسنا هيا أخرج.. أنا أنتظرك.. استعجل !
لبس عمر ثوبه سريعاً وسحب معه ثلاثة كتب وخرج مسرعا..
ركب عمر.. ورمى بكتبه في الخلف.. وانطلق معاذ بسرعة..
توقفا عند أحد المطاعم.. تناولا إفطارهما ثم خرجا من المطعم..
مشى معاذ بجانب أحد (الجدران) ثم جلس خلف إحدى السيارات.. وأخرج (علبة السجائر) وسحب منه (سيجارة) وأشعلها..
صعق عمر.. وتفاجأ من هذا المشهد.. لم يكن يعلم أن معاذ يدخن !!
أخذ معاذ ينفث الدخان بجانب عمر.. فلما استنشق عمر تلك الرائحة الخبيثة.. تعرّف عمر على هذه الرائحة..!!
حاول عمر أن يتذكر أين استنشق تلك الرائحة..!! سأله معاذ :
- كم الساعة ؟
لم يجبه.. كرر معاذ السؤال.. وعمر ساكت يفكر !!
حينها.. وجد عمر الإجابة.. وقال في نفسه : إنها رائحة أبي الكريهة !!
- عمر.. عمر !!
انتبه عمر :
- نعم.. نعم..
- ماذا بك يا صديقي ؟!
- لا شيء.. الفطور كان جيداً !!
ضحكة ملأت ملامح معاذ والدخان يتطاير من فيه وأنفه !!
قال عمر وحب الاستطلاع قد عاد إليه من جديد :
- يبدو أنك تشعر بلذة ؟!
- نعم.. إحساس رائع يا عمر !! هل تجرب واحدة ؟!
في هذه اللحظات سكت وعمر.. وبين عينيه صورة والده الغليظ.. صمت عمر ثم صمت !!
وأنقذ الموقف رنين جواله.. أخرجه مباشرة من جيبه.. نظر في الشاشة : ( فالزم رجليها ) يتصل بك.. ابتهج عمر باتصال أمه رغم أن الاستغراب يملأ عقله.. فليس من عادة أمه أن تتصل به في الصباح لأنها تعلم أن ابنها في المدرسة.. أهمل عمر اتصال أمه وأغلق جواله !

[ وجاءت الاختبارات ! ]
ها هي الاختبارات النهائية على الأبواب.. عمر لا يفقه شيئاً مما درسه.. وكتابه بيضاء نقية لم يكتب عليها حرفاً واحداً سوا ما كان من (ذكريات) وعبارات لا معنى لها !
في أحد الأيام من الأسبوع الأخير الذي يسبق الاختبارات.. دخل عمر ومعاذ إلى الفصل والطلاب يتوجهون إلى المصلى كي يؤدوا صلاة الظهر.. قال عمر:
- لا أدري يا معاذ كيف سنذاكر ومن أي شيء نذاكر ؟!
أجابه معاذ بعبارات تغرق بالا مبالاة :
- لا تهتم يا صديقي.. المسألة أبسط مما تتصور !!
وقعت عينُُ معاذ على حقيبة عبدالملك (أحد الطلاب المتفوقين في الفصل) :
- عمر.. الحل سهل جداً !!
- وما الحل ؟
- أرأيت حقيبة عبدالملك ؟!
- ماذا تقصد يا معاذ ؟!
- لا عليك.. اليوم العصر سآتيك بالحل !!
خرج معاذ إلى المصلى وجلس في الصفوف الأخيرة.. انتظر معاذ كي يأتي يجلس بجانبه كالعادة إلا أن معاذا قد تأخر !!
دقيقة وأقيمت الصلاة.. صلى عمر (أو أدى حركات الصلاة).. وبعد الصلاة توجه إلى الفصل فلم يجد معاذ.. ولا حقيبته.. ومكانه فارغ.. ولم يحضر الحصة الأخيرة !!
في المساء.. جاء معاذ إلى عمر وأعطاه عدداً من الدفاتر والكتب.. وقال وهو يبتسم :
- ألم أقل لك أن الحل سهل ؟! خذ ذاكرها جيداً ..
أخذها عمر.. تصفحها فإذا به يقرأ على غلاف كل واحد منها : ( اسم الطالب : عبدالملك...) !!
- سرقتها إذاً ؟!
هكذا خاطب عمر نفسه.. لكنه وجد من نفسه وهواه ما يدفعه لأخذها.. فصمت.. وأخذها !
بدأت الاختبارات وعمر قد جعل ليله فيها نهاراً.. ونهاره ليلاً.. وصار يبذل بعض وقته للمذاكرة..!
انقضت فترة الاختبارات بسلام.. وها قد حان موعد استلام النتائج.. ذهب عمر ومعاذ لاستلام نتائجهما.. اكتشف معاذ أنه قد رسب في عدد من المواد.. أما عمر فقد نجح ولكن.. بنسبة ضعيفة جداً لا تؤهله للقبول حتى ولو في ورشة نجارة !!

[ عمر.. عاشق الحرية ! ]
ها هو عمر يطرق أبواب الجامعات.. يقدم أوراقه إليها ويطلب الالتحاق بها.. فكان الرد يأتيه دوما بعدم القبول !!
علم بذلك معاذ فقال له :
- أنت السبب الوحيد في ذلك يا عمر ولا تلم أحدا غيرك.. فهذا ما جنته يداك !
نظر إليه عمر لحظات.. ثم قال :
- خذ الحكمة من أفواه المجانين !
دخل عمر غرفته.. وفتح حاسوبه.. ثم اتصل بالانترنت.. في (الماسنجر) كان عمر يحادث شابا تعرف عليه من خلال (الشات).. أعطاه ذاك الشاب رابطا لأحد المواقع.. فتحه عمر : [ رابطة الليبراليين العرب ] .. تصفح عمر هذا الموقع.. وصار يتنقل بين أقسامه.. فكان مما شاهده.. العناوين التالية : [الحجاب بدعة لا أصل لها في الدين!] [الإرهابي فلان يقول: على هذا تربيت في الحلقة!] [هل القرآن محرف؟] [الدين النجدي يحرم الاختلاط!!] .. وعمر يضغط على كل عنوان من هذه العناوين المثيرة التي تحمل أفكارا جديدة وجذابة بالنسبة إليه وأخذ يقرأها متتابعة..
صار عمر يتردد على هذا الموقع حتى عرف أعضاءه قبل مشرفيه.. ثم قام فيما بعد بالتسجيل في هذا الموقع.. تردد مجددا في اختيار الاسم.. سكت عمر وأخذ يفكر.. وفي هذه اللحظات قطع تفكيره صوت تلك النغمة تلاها رسالة خرجت من زاوية الشاشة : [تم تسجيل دخول الحنون] ..!!
مباشرة قام عمر بإعطاء الرابط لمعاذ.. فقام هو الآخر بزيارة لهذا الموقع..
ثم قال عمر :
- أنا قررت التسجيل في هذا الموقع.. اقترح علي اسما مناسبا !
فكر معاذ.. لكن عمر عاد فقال :
- يعجبني اسم (عاشق الحرية) ما رأيك ؟
قال معاذ :
- أووه رائع جدا.. في الحقيقة أنا أريد التسجيل أيضا.. اقترح علي اسما..
قال له عمر :
- أنا لدي فكرة.. ما رأيك يا معاذ أن تنتحل شخصية فتاة وتجعل اسمك (المتحررة)..؟!
ابتسم معاذ موافقا وقال :
- يا لك من عفريت.. أصبحت تفوقني في هذه الأمور !!
صار عمر يشارك في هذا الموقع بكتابات كثيرة ومستمرة سعياً في رضى مشرفي الموقع..!!
أعجب عمر بكتابات أحد الأعضاء فصار يتتبع كتاباته ومقالاته.. حتى علم فيما بعد أن هذا الرجل له عمود يومي في صحيفة (الوهن) فقرر عمر شراء هذه الجريدة يوميا بثمن بخس: ريالين فقط.. ورغم زهادة هذا المبلغ إلا أن أم عمر لما رأت وقرأت هذه الجريدة أقسمت له أنها لا تستحق ربع هذا السعر!!

[ مختص في شئون الإرهاب ! ]
صار عمر يحاول لفت النظر في ذاك الموقع.. فكان يرد ويؤيد ويعلق على مواضيع المشرفين وكبار الكتاب.. خصوصا ذاك الكاتب في جريدة الوهن..!!
استمر عمر (أو عاشق الحرية) على ذلك مدة سنة كاملة.. كان يسطر فيها مقالات يسعى من خلالها لرضى كبار أولئك الأقزام.. حتى كتب ذات يوم مقالة بعنوان : (حينما يدرس الإرهاب في المساجد.. الحلقات أنموذجا !!).. طار الأشرار بهذا المقال.. ونال المقال وساما للتميز وتم تثبيته في الموقع.. حتى امتلأ عمر فرحا وزهوا ولذة ..!
شاهد الكاتب في صحيفة الوهن تلك المقالة فقال لعمر:
- ما شعورك لو شاهدت هذه المقالة على صفحات الجريدة؟
انفرجت أسارير عمر وهو يقرأ هذا السؤال.. وكتب :
- لو نشر.. فلن أنسى لك هذا (المعروف!) طيلة حياتي.. !!
يومان مرت على عمر كسنتين.. بعد ذلك رأى عمر مقاله في الجريدة وقد احتل مكانا كبيرا.. وفي صدر المقال : ( بقلم : عمر ... مختص في شئون الإرهاب !! ) ..
الأستاذ سعد هو المشرف الذي تابع عمر في حلقة الجامع الذي نشأ في رحابها : عمر (الصغير).. شاهد هذا المقال بتوصية من أحد الطلاب.. فصُدم وأسقط في يده.. ولم يدرِ كيف يفعل..!!
في هذه اللحظات وصلت إلى جواله رسالة.. فتحها مباشرة.. فإذا هي من رقم غريب.. !!
فتح الرسالة وقرأ : (أرجوكم أنقذوا عمر.. لا تتركوه يسقط في مستنقعات الضياع.. شاهد مانشره له المنافق الشرير في جريدة الوهن.. عمر في رحاب حلقاتكم وعلى يديكم حفظ القرآن فأنقذوه.. الظروف أقوى مني ومشيئة الله فوق كل شيء.. أرجوكم أرجوكم أرجوكم.. أنقذوا ابني.. أم عمر)..
تنهد الأستاذ سعد وأغمض عينيه.. ووضع يده على رأسه.. وبكى..!!
الضيق والغم عنوان لذلك اليوم في حياة الأستاذ سعد..!!

[ عمر يغرق من جديد ! ]
تتابعت مقالات عمر في تلك الجريدة.. ورئيس التحرير إنسان لطيف يحب تشجيع الأقلام الشابة.. ولكن ليس أي قلم ولا أي شاب !!
قال هذا الكاتب لعمر :
- هيا يا عمر.. أنا أؤمل فيك الكثير !! أنتظر منك المزيد..
- لا تهتم يا أستاذي.. سترى ما يسرك..
عمر يبدو متحمساً جداً في هذه اللحظات.. ها هو قد كتب مقالا آخر على شاكلة المقال الأول بعنوان : (حينما يدرس الإرهاب في المساجد.. خطب الجمعة أنموذجا !!) .. وهكذا صار قلم عمر سيالا يتحدث عن أشياء أظهرها عمر وهو يعلم يقينا أن الحق خلافها !!
صارت الدعوات تتوالى إلى عمر.. فهذا يدعوه إلى وليمة عشاء وآخر يدعوه إلى وليمة غداء.. حتى انتشى عمر زهواً وصار يشعر أنه إنسانا ذا قيمة.. وصار هو الآخر يدعو أولئك إلى نفس المجلس الذي كان جده يعمره بأهل الخير والصلاح والكرام من جماعة المسجد.. !!
ذاك المجلس صار يحن إلى جد عمر بعد أن أصبح يشتكي كل ليلة من تلوث حسي وتلوث معنوي !!
فدخان السجائر يملأ المجلس كسحابة عظيمة.. والغيبة والكذب والشتم والسب ولعب (البلوت) هو عنوان ذاك المجلس !!
وازداد التلوث حين أحضر عمر جهاز (دش) يجلب صنوفا من القنوات الهابطة وذلك باقتراح من ذاك (الكاتب الكبير!!) .. ذاك المجلس باختصار : مستنقع شهوات وشبهات غرق فيه عمر !!


[ طعنة مفاجأة ! ]
في أحد الليالي.. انتهى ذاك المجلس العامر بالسوء في الساعة الثالثة صباحا.. وخرج أصحاب عمر من المنزل.. توجه عمر إلى غرفته لينام..
وفي طريقه إلى غرفته مر على غرفة أمه فسمعها تبكي.. فتوقف.. واقترب من الباب.. فسمع بكاء اقشعر معه جلده.. دخل غرفة أمه بهدوء فرآها متلفعة بحجابها مفترشة سجادتها رافعة يديها تدعو بصوت متحشرج : (( اللهم رد إلي ابني .. اللهم رد إلي ابني .. )) أغمض عمر عينيه وانطلق إلى غرفته وارتمى على السرير.. وسالت عينيه بعد طول جفاف !!
مرت لحظات وعمر على حاله حتى سمع صوت رنين لطالما كان يسمعه.. إنه صوت تلك الساعة التي كان يضعها في يمينه وتنبهه دائما حين يبقى على الأذان عشر دقائق ..!!
لكن هذه الطعنة لم تكن كافية لإيقاظ عمر.. وكعادته.. حين سمع الأذان غط في نوم عميق !!


[ عمر.. وقناة الحضارة ! ]
عند الساعة الثالثة عصرا.. استيقظ عمر على صوت الجوال يشعره بوصول رسالة.. فتحها عمر مباشرة.. قرأها فنهض من مكانه وأخذ يقرأها مرة تلو مرة.. لم يصدق ما في الرسالة فقرأها بصوت عال : (( عمر.. وجهت لي دعوة من قناة الحضارة للحديث عن الشباب والتشدد في الدين.. وطلبوا مني محادثتك لاستضافتك كشاب.. فكر وسأتصل بك لاحقا )) وفي رأس الرسالة اسم ذاك الكاتب الكبير في جريدة الوهن !!
أصابت عمر حالة من الفرح والنشوة.. وقال في نفسه :
- وهل الأمر يحتاج إلى تفكير ؟!
قام عمر باندفاع يحضر للموضوع ويجهز لما يريد أن يقوله للجمهور المتابع لهذا البرنامج خصوصا أن القناة تبث من دولة أخرى !!
في الليل اتصل ذاك الكاتب على عمر وأخبره بأن يوم الجمعة هو موعد البرنامج وأعطاه بعض التنبيهات التي يراها مهمة..
أعلنت القناة عن ضيوف تلك الحلقة.. فتفاعل أعضاء موقع رابطة الليبراليين العرب حين علموا أن عمر سيكون ضيفا فيها.. فتوالت المواضيع من قبل الأعضاء قبل المشرفين.. ووضع القائمون على الموقع إعلانا في واجهة الموقع الرئيسية : (الأستاذ عمر ضيف قناة الحضارة) ..!!
وفي يوم الخميس - اليوم الذي يسبق الحلقة - استعد عمر للحلقة ولمقابلة الكاميرات لأول مرة.. ثم نام !


[ عاصفة تخمدها رسالة جوال !! ]
في صباح الجمعة.. استيقظ عمر مبكرا على غير عادته وهو ينتظر المساء بشوق ووجل !
أعدت له أمه الإفطار.. وهي لا تعلم أن ابنها سيخرج الليلة في تلك القناة.. أفطر عمر ثم ذهب إلى غرفته وبين يديه أوراق أعدها لتلك الحلقة.. يقرأ ويحفظ ويراجع.. أذن الأذان الأول للجمعة وهو منشغل بأوراقه.. دخل الخطيب ولا زال منشغلا بها.. دخلت عليه أمه :
- عمر.. هيا ستنتهي الخطبة الآن !!
- حسنا حسنا.. أغلقي الباب !!
انتهت الصلاة وعمر يقلب أوراقه..
وهكذا مرت صلاة العصر وعمر على نفس حاله..
بعد صلاة العصر.. بدأ عمر بتجهيز ملابسه ومايتعلق بالمظهر الخارجي (أو اللوك كم يقولون) !!
بقي على أذان المغرب أقل من ساعة واحدة.. رجع عمر إلى البيت واستحم وتجهز ولبس ملابسه.. ها هو عمر يستعد للذهاب !!
في هذه اللحظات.. وقف عمر أمام المرآة في لحظة سكون قطعها صوت من الجوال ينبه عمر أنه قد وصلته رسالة..
فتح عمر الرسالة.. فتغيرت ملامحه واحمر وجهه.. وخلع غترته.. وارتمى على سريره.. وهو يردد بكل ذهول : إنا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون !!


[ استفاقة عمر !! ]
كرر عمر قراءة الرسالة مرارا : (( شيخك سعد مات وسيصلى عليه ظهر غد السبت )) مر أمام ناظر عمر شريط ذكريات طويل ابتدأ منذ سني عمره الأولى وحتى حفظ القرآن على يد هذا الشيخ.. عادت له ذكريات جلوسه بين يدي أستاذه وترتيله القرآن وحفظه وفهمه..
الأستاذ سعد -كما كان يناديه عمر- هو من أرسلت له أم عمر قائلة : (( أرجوكم أنقذوا ابني )) .. وها هو قد مات وعمر على حالته.. !!
أغلق عمر جواله.. وذهب إلى أمه قائلا وهو يبكي :
- أمي.. أستاذ سعد مات اليوم !
صدمت أم عمر.. وصمتت واحتبست الكلمات في فيها لا تدري ما تقول.. هي كانت تؤمل أن يحقق رجاءها بإنقاذ ابنها عمر.. !!
بكت كثيرا وأخذت تردد : إنا لله وإنا إليه راجعون !
اقتربت من عمر.. وقالت :
- لا تحزن يا عمر.. أستاذك مات في يوم الجمعة.. ورحل وقد خلف شبابا كثر يحفظون كتاب الله.. ادع له يا بني.. ادع له !
قال عمر وهو يبكي :
- أمي.. أنا من يستحق الموت !! أنا من يجب أن يموت.. كم أنا أحمق.. لقد كنت تلميذا عاقا وغير مهذب !! أذكر يا أمي حين قرأت بين يديه قول الله تعالى : (( كل نفس ذائقة الموت )) أخذته عبرة وارتعد.. فبكيت ولم أستطع الإكمال.. فقال لي :
- والله ثم والله يا عمر.. كلنا سيموت.. سأموت وستموت وسيفنى كل ما على الأرض.. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ! ها هو مات يا أمي.. ها هو مات !
لم تستطع أمه أن تسمعه سوى البكاء !
بات عمر تلك الليلة في المنزل.. جواله مقفل.. وباب غرفته مغلق.. قد ضاقت عليه الدنيا.. حاول أن يتذكر متى آخر مرة فكر في شيء اسمه الموت.. فتذكر أن ذاك كان يوم وفاة جده وصديقه البراء !
توضأ عمر استعدادا لصلاة المغرب.. ثم انطلق إلى الجامع بعد انقطاع طويل عنه.. فلما دخل وقف عمر يتأمل جنبات هذا المكان الطاهر.. ها هنا جلس الأستاذ سعد.. وهنا جلست وأسمعته ما حفظت.. ها هنا غفوت فأيقظني أستاذ سعد بلطف وطلب مني أن أذهب إلى المنزل كي أرتاح.. رباه.. أي إرهاب كتبت عنه !!


[ عمر.. يدعو إلى الله ! ]

أقيمت الصلاة.. كبر الإمام.. قرأ الفاتحة.. ثم قرأ قوله تعالى : ((ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )) لم يستطع الإمام إكمال الآية.. فركع..
وبعد انتهاء الصلاة قام عمر.. وتوجه إلى الإمام.. الذي هو مشرف أيضا في الحلقة ويعرف عمر جيدا.. فلما رآه الإمام ابتهج ابتهاجا شديدا بدا على محياه.. رغم حزنه على فقد زميله الشيخ سعد.. فسلم عليه عمر واستأذنه أن يلقي كلمة عن شيخه سعد..
وقف عمر أمام المصلين.. فحمد الله وأثنى عليه.. ثم قال :
- أعلم أن من كان مظهره كمظهري ومخبره كمخبري ليس أهلا أن يخاطب رجالا أمثالكم ولكن.. :
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي * ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
حدثهم عمر عن الموت.. وعزاهم في وفاة الشيخ سعد.. ورغم أن كلمته كانت لمدة ربع ساعة فقط.. إلا أنها احتوت أكثر من عشر آيات وثمانية أحاديث..!!
وهكذا أصبح عمر الذي كان سيتحدث بالقبائح في تلك القناة البائسة.. داعية تحدث بأطيب الكلمات والمواعظ !!
لما انتهى عمر من إلقاء كلمته وسار إلى بيتهم.. سمع هاتفا ينادي من بعيد :
- عمر.. عمر ..!!


[ عمر.. ينقّي حياته !! ]
التفت عمر.. فإذا به يرى صديقه السابق (معاذ).. فتصادمت الأفكار في رأس عمر : ماذا يريد ؟!
في هذه اللحظات.. بادره معاذ قائلا وعبراته تسبق عباراته :
- عمر.. أرجوك سامحني.. استمعت لكلامك.. فأرجوك سامحني.. كم نويت لك الشر.. وكنت شيطانا يزين لك الباطل.. سامحني أرجوك !
احتضنه عمر في مشهد مؤثر.. وقال له :
- لا عليك يا صديقي.. كلنا أخطأ.. والله يتوب على من تاب !
عاد عمر إلى المنزل.. مزق الأوراق التي كان قد أعدها لذاك البرنامج.. وأخذ معولا وحطم به الدش.. أتلف كل أمر استقبحه قلبه بعد هذه الاستفاقة..!!
لما رأت أمه ذلك سجدت شكرا لله تعالى.. ثم احتضنت ابنها وقالت :
- والله يا عمر.. لم أفرح فرحا كهذا منذ أن ختمت القرآن.. كم كنت أتجرع الألم وأنا أراك تبتعد عني يوما بعد يوم وأنا لا أملك إلا أن أدعو الله تعالى.. لا أحد أسعد مني الليلة !!
لكن أم عمر وعمر لم ينسيا حزنهما على الشيخ سعد.. قال عمر :
- سأذهب غدا للصلاة عليه ودفنه.. رحمه الله وغفر له..


[ عمر.. إمام وخطيب الجامع ! ]
قطع عمر اتصالاته بأهل الشر.. وكتب موضوعا في موقع تلك الرابطة : ( أبرأ إلى الله مما كتبت.. وهذه نصيحتي لكم ورأيي في الحلقات ) .. وضغط على زر : [ تسجيل الخروج ] كآخر دخول له في هذه الرابطة.. مع علمه الأكيد أن ذاك الكاتب الكبير هو أول من سيؤيد طرد عمر من الموقع !!
عاد عمر بمحض إرادته طالبا في حلقة تحفيظ القرآن الكريم بالجامع نفسه.. فأتم حفظ - أو مراجعة - القرآن في شهرين فقط.. وأتقنه كما كان وأفضل..!!
ثم انطلق عمر يتتبع دروس العلماء وأهل العلم.. وصار يطيل ثني الركب عندهم.. ينهل من معين العلم النقي فترة طويلة..
عاد عمر مرة أخرى إلى الجامع.. ولكنه عاد هذه المرة مكان شيخه سعد.. فصار عمر مدرسا محبوبا يتهافت إليه الطلاب لسمو أخلاقة ورفق تعامله.. إضافة إلى كونه متقنا للقرآن حفظا وتلاوة..
وبعد فترة قصيرة.. أصابت إمام وخطيب الجامع ظروفا ما أجبرته على ترك هذه المهمة.. ومن بره وحرصه على جماعة هذا الجامع سعى في اختيار رجل كفؤ ليحل محله.. وبلا تردد انطلق إلى عمر وقال له :
- أنا يا عمر مجبر على ترك الجامع وأريد أن أضع مكاني الشخص المناسب الذي سيتحمل هذا التكليف.. ولست أرى أنسب منك.. فما رأيك ؟
قال عمر :
- جزاك الله خير الجزاء على حسن ظنك.. ولكن لحظات فقط وأجيبك..
أخرج عمر هاتفه واتصل بأمه :
- السلام عليك يا أمي..
- وعليك السلام ورحمة الله.. أهلا بولدي الغالي..!!
- أمي.. شيخ جامعنا عنده ظروف تجعله يترك الخطابة والإمامة وها هو يعرض علي هذا التكليف بدلا عنه.. ما هو رأيك يا أمي ؟
أجابته أمه بحرص الأم المشفقة :
- يا لسعادتي يا بني.. يا ترى هل تظنني سأفرح وأنا في المنزل استمع إلى تلاوتك وتكبيراتك تتردد في جنبات الجامع.. أم تظنني سأحزن ؟!
- اممممم.. أظنك ستفرحين !!
- إذا استعن بالله يا بني !!
جدران هذا الجامع احتضنت عمر صغيرا.. وها هو المنبر والمحراب يضمه كبيرا .. !!


[ أخوة مشرقة ! ]
تقابل عمر ومعاذ بعد إحدى الصلوات.. وأخذا يتحدثان عن ماضيهما الأسود في شبكة الانترنت :
- ما رأيك يا معاذ أن نفتتح موقعا إسلاميا عاما.. يحوي مقالات وفتاوى وخطب وقصائد وغير ذلك من الأمور النافعة.. ويكون -أيضا- طريقا للتواصل مع أنشطة الجامع ؟
- رائع.. رائع جدا.. فقط كلفني بهذه المهمة لترى الموقع بعد أسبوع فقط !
وفعلا.. تحولت هذه الفكرة إلى واقع وصار الموقع بإشراف الشيخ عمر.. إمام وخطيب الجامع..
فلما رأى عمر الموقع قال :
- ما أروع أن تتحول الأماني إلى واقع !
فقال معاذ :
- صدقت.. وأنا عندي أمنية أتمنى أن تتحول إلى واقع..!!
قال عمر :
- وما هي الأمنية ؟
سكت معاذ قليلا ثم ابتسم وقال :
- أن أكون خالا لأبناءك !!
رفع عمر حاجبيه وقال :
- لم أفهم.. أرجو أن توضح أكثر !!
قال معاذ :
- أتشرف أن تكون أختي (أسماء) زوجة لك.. فكر.. واستشر أمك.. وأنتظر ردك أيا كان !!
أياما قليلة مرت بعد هذا الحوار المفاجئ.. لكن معاذ شعر بأنها أشهر وليست أيام..!!
تررررن.. جوال معاذ يرن (( الشيخ عمر يتصل بك )) :
- نعم..
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
- معاذ.. غدا بإذن الله سأزوركم أنا وأمي..
- يعني موافق ؟
ضحك عمر.. فقال معاذ :
- آسف يا عمر.. لكني متحمس كثيرا لهذا الأمر.. وعذرا يا صديقي على الإزعاج..
وفي الغد.. زار عمر وأمه منزل صديقه معاذ.. وحصلت الموافقة.. !
فرح معاذ كثيرا بهذا الأمر.. وتمنى لعمر أن يسعد في دنياه وآخرته..
جاء يوم الزفاف.. وأم عمر كادت أن تطير فخرا وفرحا بابنها.. وهي بين لحظة وأخرى تدعو له ودموع الفرح على وجنتيها !!


[ النهــاية !! ]
عاش عمر حياة هنيئة مع زوجته أسماء.. تلك الزوجة التقية النقية.. عاشا سويا حياة ملؤها الحب والهناء.. وأم عمر تكلأهم بعناية ورعاية وحنان.. ولا ترى أسماء إلا ابنة لها.. وأسماء لا تراها إلا أما لها.. وهكذا كانت حياتهم !
مرت أشهر هذا حالها.. حتى زفت أسماء خبرا مفرحا لعمر وأمه :
- أنا حامل !
فرحا بهاتين الكلمتين فرحا عظيما.. وحمدا الله حمدا كثيرا.. وخر عمر ساجدا شكرا لله..
زواج عمر ودخوله هذه الحياة الجديدة لم تزيده إلا طموحا وإصرارا على بذل المزيد والمزيد.. خطب وكلمات ودروس ومقالات وبرامج وأنشطة في الجامع والموقع وغيرها..
وفي إحدى الليالي.. رزق عمر بمولودة جميلة.. اتفق هو وأسماء على تسميتها بـ(هاجر) !
فرحت أمه فرحا شديدا بأن أصبحت جدة.. وفرحت أكثر أنها قد حملت اسم

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى